لقد شكّل مفهوم العمران حجر الأساس في رؤية ابن خلدون لفهم المجتمعات واستقرارها، إذ تميّز بتقديم هذا المفهوم كمفهوم مستقل، وجعل مقدمته الشهيرة تقوم على شرحه وربط كثير من مفاهيمه ومصطلحاته الأخرى به، فهو يعرّف العمران في جوهره بأنه الاجتماع الإنساني وما ينشأ عنه من نظم الحياة وأحوال المجتمع، ثم يفسّر هذا الاجتماع من خلال منظومة من المفاهيم التي تدور في فلكه مثل الحضارة والبداوة والمعاش والطبائع والعصبية وغيرها من المفاهيم الخلدونية التي تكشف عن طبيعة حركة المجتمع وتحوّلاته، ويعدّ هذا التعريف نواة التأسيس لعلم الاجتماع، حيث اتخذ ابن خلدون من العمران ركيزةً معرفية ومصطلحًا مرجعيًا يفسر ظواهر الاجتماع البشري.

ويلاحظ أن بعض الباحثين يستخدمون الحضارة كمفهوم مرادف للعمران، وهو ما قد يوقع في شيء من اللبس، غير أن ابن خلدون يفرّق بينهما بوضوح؛ فالعمران عنده هو الإطار الأشمل الذي يعبّر عن مجمل الاجتماع البشري ونظامه، أما الحضارة فهي مرحلة من مراحله وصورة من صوره، تمثل حالًا من أحوال العمران عندما يبلغ المجتمع درجة من الاستقرار والترف واتساع مظاهر الحياة المادية والثقافية، وتصل الحضارة إلى أعلى درجاتها في رأيه حين يتم إحكام الصنائع. وبذلك يكون العمران أعمّ وأوسع من الحضارة لأنها ليست إلا تجلّيًا من تجلياته.

العمران: لغةً واصطلاحًا

العمران في اللغة هو نقيض الخراب، كما جاء عند الراغب الأصفهاني في «المفردات في غريب القرآن»، وهو اسم ومصدر يؤول إلى مادة «عمر»، وفيه دلالة على سعي البشر إلى إحياء الأرض وتعميرها حتى تصبح مأهولةً معمورة، كما أشار إلى ذلك ابن فارس في «تهذيب اللغة». أما من حيث الاصطلاح، فقد اختلف الباحثون المعاصرون في تحديد حدود مفهوم العمران اختلافًا ملحوظًا؛ ولعل التعريف الأقرب هو تعريف فريد الأنصاري، الذي يرى أن العمران ليس مجرد بناء مادي أو تخطيط حضري، بل «هندسة الإنسان» وقيمه وفكره في مجتمع متماسك تتكامل فيه الأبعاد الروحية والاجتماعية والثقافية.

السيرة النبوية كنموذج عملي للعمران

إذا كان العمران في حقيقته هو الاجتماع الإنساني وما ينشأ عنه من نظم الحياة، فإن السيرة النبوية تمثل النموذج العملي الأوضح لتجسيد هذا المفهوم، حيث ظهرت فيها مراحل متتابعة لبناء المجتمع وفق هدي الوحي وسنن الاجتماع الإنساني.

وقد بدأت ملامح هذا البناء منذ بعثة النبي ﷺ، حين أعلن رسالته التي تهدف إلى إصلاح الإنسان وتقويم أخلاقه، كما جاء في قوله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (أخرجه أحمد والبيهقي والحاكم، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة). ويكشف هذا الحديث عن حقيقة جوهرية في البناء العمراني الإسلامي، وهي أن إصلاح الأخلاق يمثل الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، إذ لا يمكن قيام عمران مستقر دون منظومة قيم تضبط سلوك الأفراد وتنظم علاقاتهم.

مكة: بناء الإنسان قبل بناء المجتمع

في المرحلة الأولى من الدعوة في مكة تشكّل نواة المجتمع الإسلامي في دار الأرقم، حيث اجتمع المسلمون سرًّا لتلقي التربية الإيمانية والتوجيه النبوي. وقد مثّلت هذه المرحلة الأساس التربوي والفكري، إذ انصبّ التركيز فيها على بناء الإنسان قبل بناء المجتمع، وترسيخ العقيدة في النفوس قبل الانتقال إلى مراحل التنظيم الاجتماعي. ومن هنا تبدو دار الأرقم وكأنها مدرسة تأسيسية لبناء المجتمع الإسلامي.

وخلال المرحلة المكية عاش المسلمون ظروفًا صعبة من الاضطهاد والمقاطعة الاجتماعية، غير أن هذه المرحلة لم تكن مجرد زمن معاناة، بل كانت مرحلة إعداد عميق لترسيخ صفة الصبر والثبات في نفوس المؤمنين، حتى تتكوّن جماعة قادرة على تحمّل مسؤولية البناء الاجتماعي في المستقبل.

المدينة: المؤسسات الأولى للعمران

ثم جاءت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة لتشكّل نقطة تحول حاسمة في مسار العمران الإسلامي؛ فقد انتقل المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التأسيس الاجتماعي والسياسي. وفي المدينة بدأ المجتمع الإسلامي يتشكل بصورة أوضح، حيث اجتمع المسلمون على قوة تنظيمية وروحية مكّنتهم من إقامة مجتمع متماسك يقوم على التعاون والتكافل.

ومن أبرز مظاهر هذا البناء العمراني تأسيس المسجد، الذي لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل مركزًا للحياة الاجتماعية والتعليمية والسياسية؛ فيه تعقد حلقات العلم، وتناقش شؤون المجتمع، وتتخذ القرارات المهمة. كما قام النبي ﷺ بتنظيم السوق، الذي أصبح حلقة أساسية في الحياة العامة، حيث كانت قواعده تعزز العدل والأمانة وتدعم الروابط بين الناس، فتسهم في استقرار المجتمع وازدهاره. ومن أبرز خطوات التنظيم الاجتماعي أيضًا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، التي كانت خير مثال للدعم والتعاون بين أفراد المجتمع، فربطت بين النفوس وعززت الشعور بالمسؤولية المشتركة.

الغزوات: مدرسة بناء الجماعة

ومع استقرار المجتمع بدأت مرحلة جديدة من مسيرة البناء تمثلت في الغزوات التي خاضها المسلمون دفاعًا عن مجتمعهم الناشئ. ولم تكن هذه الغزوات مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت مدرسة تربوية كشفت عن سنن مهمة في حياة المجتمعات، مثل أهمية القيادة وقيمة التضحية وضرورة وحدة الصف. وقد أظهرت أحداث مثل غزوة بدر أثر الإيمان والتماسك الداخلي في تحقيق النصر، كما أبرزت غزوة أحد خطورة مخالفة القيادة وما يترتب عليها من آثار في مسار المجتمع.

من الدفاع إلى المبادرة

ومع توالي هذا النضج في البناء العمراني للمجتمع الإسلامي، بدأت تتشكل مرحلة انتقالية نقلت المجتمع من طور التأسيس الداخلي إلى آفاق النصر والتمكين. وفي هذا السياق يرى الدكتور عزيز البطيويفي في كتابه «سنن العمران البشري في العصر النبوي» أن صلح الحديبية مثّل جسر العبور إلى هذه المرحلة؛ لما أوجده من قدر من الاستقرار والهدوء أتاح للدعوة أن تنتشر في نطاق أوسع.

ومع اتفاقي مع الدكتور البطيوي في إبراز الأهمية الاستراتيجية لصلح الحديبية، فإنني أميل إلى أن ملامح هذا التحول بدأت قبل ذلك بقليل، وتحديدًا عقب غزوة الأحزاب. فبانكسار تحالف المشركين انحسر الضغط العسكري الذي كان يحيط بالمدينة، وأعلن الرسول ﷺ ملامح المرحلة الجديدة بقوله: «نغزوهم ولا يغزوننا» (أخرجه البخاري في صحيحه، وهو من أفراد البخاري على مسلم). ويكشف هذا القول بوضوح انتقال المسلمين من مرحلة الدفاع المستمر إلى مرحلة المبادرة، الأمر الذي يجعل صلح الحديبية امتدادًا طبيعيًا لهذا التحول أكثر من كونه نقطة بدايته الأولى.

حجة الوداع: تتويج العمران النبوي

وبلغت مسيرة العمران النبوي ذروتها في خطبة حجة الوداع، التي تمثل تتويجًا لمسيرة بناء المجتمع الإسلامي. ففي هذه الخطبة تم وضع المبادئ الكبرى التي تنظم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتؤكد على الأمن والاستقرار، واحترام الحقوق، وتعزيز التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، والالتزام بالقيم والأخلاق، فمثلت هذه الخطبة أعظم معالم السيرة في بناء مجتمع متماسك ومستقر يقوم على أسمى معاني القيم والأخلاق.

خلاصة

تُقدّم السيرة النبوية نموذجًا متكاملًا لمسيرة العمران الإنساني، بدءًا من تنشئة المجتمع أخلاقيًا وروحيًا، وبناء شخصية فردية قادرة على تحمل المسؤولية، ثم تكوين جماعة مؤمنة تتعاون وفق المبادئ السليمة، وصولًا إلى إقامة مجتمع منظم يحقق الاستقرار والنظام، مع ترسيخ قواعد تحفظ استمراره على مر الزمن. وتعكس هذه المراحل اهتمامًا متوازنًا بجوانب الحياة كافة، مما يجعل السيرة النبوية دليلًا عمليًا لفهم طرق البناء العمراني بصورة عميقة ومتقنة. فما أعظم هذه السيرة، نور الهداية ومنهل الفضائل، فصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.