شكّلت طرق الحج في التاريخ الإسلامي شرايين حيوية ربطت بين أطراف العالم الإسلامي ومكة المكرمة، ولم تكن هذه الطرق مجرد مسارات للسفر، بل كانت ممرات إيمانية وحضارية سلكها الملايين عبر القرون لأداء فريضة الحج. وقد عكست هذه الطرق عناية المسلمين بهذه الشعيرة وحرصهم على تيسيرها، من خلال ما أُقيم عليها من مرافق وخدمات أسهمت في تأمين رحلة الحجاج وتخفيف مشاقها.
ويُعدّ طريق الحج العراقي من أبرز طرق الحج في التاريخ الإسلامي. فمع انتشار الإسلام واتساع الفتوحات إلى العراق وفارس وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، تزايدت أعداد المسلمين وأخذت أفواج الحجاج تتدفق نحو مكة المكرمة لأداء فريضة الحج.
ونتيجة لذلك عُرفت عدة طرق للحج تربط الأماكن المقدسة بمختلف أرجاء الدول الإسلامية، فكان من بينها طريق الحج العراقي بمساريه: طريق الكوفة وطريق البصرة، إضافة إلى طريق الحج الشامي وطريق الحج المصري وطريق الحج اليمني وغيرها من الطرق التي سلكها المسلمون عبر العصور.
لماذا سُمّي «درب زبيدة»؟
ويُعد طريق الحج العراقي (طريق الكوفة — مكة المكرمة)، الذي عُرف لاحقًا بدرب زبيدة، من أهم طرق الحج في العصر الإسلامي، وقد اشتهر بهذا الاسم نسبة إلى السيدة زبيدة بنت جعفر (ت ٢١٦هـ/٨٣٢م)، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد (ت ١٩٣هـ/٨٠٩م).
ولم تكن مكانة زبيدة تنبع من حسبها ونسبها فحسب، فقد صنعت مجدها الخاص من علم وثقافة وأعمال خالدة، ولم تستغل ثراءها المادي من أجل البذخ والترف، بل استثمرته في مجال الخير وخدمة الناس.
حجّ ١٧٦هـ وميلاد فكرة المشروع
أدّت زبيدة بنت جعفر فريضة الحج عام ١٧٦هـ/٧٩٣م، وكانت من عادات الخلفاء العباسيين أن يسيروا إلى الحج بمحمل في موكب كبير يضم عددًا كبيرًا من المرافقين والخدم إضافة إلى الخيام وأنواع الطعام والشراب التي تُحمل مع القافلة. ورغم ما يبدو من مظاهر الرفاهية في هذا المحمل، فإن الطريق لم يكن سهلًا، وكانت الرحلة تستغرق أكثر من شهر كامل للوصول من بغداد إلى مكة المكرمة.
ومن خلال هذه الرحلة أصدرت أوامر بإنشاء عدد من المصانع والمنشآت المائية على امتداد طريق الحج إدراكًا منها لأهمية توفير الموارد الأساسية للحجاج، وفي مقدمتها الماء.
«أعملها ولو كانت الضربة بالفأس بدينار»
وبعد عودة القافلة إلى بغداد بادرت إلى استدعاء المهندسين والبنّائين من أصحاب الخبرة، وطلبت منهم دراسة السبل الكفيلة بمعالجة الصعوبات التي يواجهها الحجاج في طريقهم، ولا سيما مشكلة العطش. وقد عبّرت عن هدفها بوضوح مؤكدة سعيها إلى تأمين مورد ماء دائم بحيث لا يتعرض أي حاج يسلك طريق الحج العراقي لمعاناة.
وفي سبيل تنفيذ هذا المشروع شرعت في إصلاح وتطوير طريق الحج الكوفي القديم، وقد أُبلغت بضخامة التكاليف التي يتطلبها المشروع، إلا أنها أبدت إصرارًا على المضي فيه وأكدت استعدادها لتحمّل النفقات قائلة: «أعملها ولو كانت الضربة بالفأس بدينار».
وبالفعل بلغت تكاليف المشروع مبالغ كبيرة نظرًا لطبيعة البيئة الصحراوية وصعوبة الأعمال الهندسية؛ إذ شمل إيصال المياه لمسافات طويلة عبر شق الجبال ونحت الصخور لتمرير المياه، كما امتدت الجهود إلى شراء بعض النخيل والمزارع للاستفادة من مواردها المائية وتغذية الطريق بالمياه.
عناصر البنية التحتية على الدرب
قام المشروع على عناصر أساسية كان في مقدمتها توفير مصادر المياه على طول الطريق لخدمة الحجاج، إلى جانب وضع علامات وإشارات إرشادية تساعد المسافرين على الاهتداء إلى المسار الصحيح، فضلًا عن رصف المقاطع الرملية بالحجارة لتسهيل حركة القوافل وتحسين ظروف السير.
شهادة ابن جبير
وقد وصف الرحالة ابن جبير (٥٣٩–٦١٤هـ) هذا الطريق في رحلته، مشيرًا إلى ما أُقيم عليه من منشآت، فقال:
«وهذه المصانع والبِرَك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة، هي آثار زبيدة بنت جعفر، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعمّ وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سُلكت هذه الطريق».
ويُظهر هذا النص بوضوح الأثر العميق الذي تركته زبيدة في تطوير طريق الحج العراقي؛ إذ أسست بنية تحتية مستدامة استمر نفعها عبر القرون، وهو شاهد تاريخي على نجاح المشروع وعلى استمرارية أثره في خدمة الحجاج.
مسار درب زبيدة
يبدأ مسار درب زبيدة من الكوفة، ثم يمتد عبر مناطق صحراوية مارًّا بعدد من المواقع التي تقوم فيها اليوم مدن حديثة مثل: رفحاء، والأحمر، وفيد، وسميرة، وصولًا إلى مهد الذهب. وعند اتصاله بوادي العقيق القريب من الطائف يتجه عبر جبال الحجاز، ثم يواصل امتداده في أكثر من ١٤٠٠ كم حتى يصل إلى أطراف مكة المكرمة.
ويشير سعد الراشد إلى أنه على الرغم من أن الطريق أصبح مهجورًا في الوقت الحاضر فإن أجزاءً من مساره لا تزال معروفة، وقد أُجريت دراسات ميدانية على بعض امتداداته شملت نحو خمسين موقعًا ضمن مسافة تقارب ١٠٠ كيلومتر داخل المملكة العربية السعودية.
خلاصة
يتّضح أن هذا الطريق كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا أسهم في تحقيق الاستقرار وتيسير الحياة في مكة المكرمة والمناطق الواقعة على امتداده. فمن الناحية الاجتماعية والاقتصادية يمكن النظر إلى درب زبيدة بوصفه أحد أبرز مشروعات الأمن المائي في تاريخ الجزيرة العربية، إذ أسهم في دعم الاستقرار العمراني والاقتصادي على امتداد الدرب وفي مكة المكرمة، وساعد على استمرارية مواسم الحج التي شكّلت عبر العصور ركيزة أساسية في النشاط الاقتصادي للمدينة.
كما حظي درب زبيدة عمومًا باهتمام الخلفاء والولاة على مر العصور، حيث استمرت أعمال العناية به وتطوير مرافقه بما يضمن سلامة الحجاج وراحتهم. وفي العصر الحديث حظي هذا الطريق باهتمام ملحوظ؛ إذ أولى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عناية خاصة به، وكان يتطلع إلى ترميمه وإحياء دوره التاريخي، واستمر هذا الاهتمام حتى أصبح الطريق أحد المشروعات الرئيسة المرتبطة بالتراث الوطني، وتبنّت هيئة التراث السعودية جهود المحافظة عليه بوصفه إرثًا تاريخيًا وثقافيًا يعكس عناية المسلمين بطرق الحج عبر العصور.




