يُعدّ أدب الرحلات من المصادر المهمة في الدراسات التاريخية والأدبية؛ إذ يقدّم وصفًا مباشرًا للأماكن والمجتمعات من خلال مشاهدات الرحّالة وتجاربهم الشخصية. وقد شكّلت رحلة الحج إلى الديار المقدّسة موضوعًا بارزًا في هذا النوع من الأدب، حيث حرص العديد من الرحّالة على تدوين مشاهداتهم أثناء توجّهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، مسجّلين ما رأوه من مظاهر دينية واجتماعية وثقافية. مشاهدات الرحّالة لا تقتصر على الوصف الجغرافي للمكان، بل تتضمّن أيضًا ملاحظات عن الحياة اليومية للحجاج، وأنماط التفاعل بين الشعوب الإسلامية المختلفة.

كوبولد وكتاب Pilgrimage to Mecca

ومن بين الرحلات التي حظيت باهتمام الباحثين في العصر الحديث رحلة الرحّالة البريطانية المسلمة إيفلين كوبولد (Lady Evelyn Cobbold) التي وثّقت تجربتها في كتابها Pilgrimage to Mecca، والذي يُعدّ من أهم المؤلّفات التي تناولت تجربة الحج من منظور أوروبي في أوائل القرن العشرين، فهي أول بريطانية مسلمة تقوم برحلة الحج إلى الديار المقدّسة.

صورة أرشيفية أخرى لإيفلين كوبولد (زينب)
لقطة أرشيفية ثانية توثّق ملامح «زينب» في تلك الحقبة

نشأة، إسلام، واسم زينب

نشأت كوبولد في أسرة بريطانية ذات مكانة اجتماعية مرموقة، غير أن حياتها شهدت تحوّلات فكرية وثقافية نتيجة احتكاكها المبكر بالمجتمعات الإسلامية، خاصة خلال إقامتها في شمال إفريقيا. وقد أبدت اهتمامًا واضحًا بالدين الإسلامي وثقافته، الأمر الذي قادها في نهاية المطاف إلى إعلان إسلامها سنة ١٣٣٣هـ/١٩١٥م، واختارت لنفسها اسمًا جديدًا هو «زينب»، وبعد ذلك بسنوات قرّرت أداء فريضة الحج.

استغرق مني قطع مسافة ٢٥٠ ميلًا من جدة إلى المدينة المنورة ١٥ ساعة، وأرفع قبعتي إلى سيارة «فورد» الصغيرة التي حملتنا بشجاعة عبر تلك الصحاري الرملية.

مكة والكعبة: الوصف والبعد العالمي للحج

وقد أولت كوبولد اهتمامًا كبيرًا بوصف المدن المقدّسة، وخاصة مكة المكرمة، حيث قدّمت وصفًا تفصيليًا لأجواء المدينة أثناء موسم الحج. فقد تحدّثت عن الحشود الكبيرة من الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، والذين يجتمعون في مكان واحد لأداء شعائر دينية موحّدة، ويبرز في وصفها إدراكها للبعد العالمي للحج، إذ رأت فيه مناسبة دينية تجمع المسلمين على اختلاف أعراقهم ولغاتهم وثقافاتهم، مما يعكس وحدة العقيدة الإسلامية وروح التضامن بين المسلمين، ومن وصفها لذلك ما ذكرت:

نسير على الرخام الأملس نحو قدس الأقداس، المكعب الأسود العظيم الذي يرتفع بجلال بسيط، الغاية التي ضحّى في سبيلها الملايين بحياتهم، ووجد الملايين الآخرون جنّتهم في التحدّق إليه.

الشعائر والملاحظات الاجتماعية والجغرافية

كما تناولت في رحلتها وصف الشعائر المرتبطة بالحج، مثل الطواف حول الكعبة المشرّفة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة. وقد كتبت عن هذه الشعائر بأسلوب يجمع بين الوصف الدقيق والتأمّل الروحي، حيث عبّرت عن مشاعرها العميقة أثناء أداء المناسك، مؤكّدة أن تجربة الحج تمثّل لحظة روحية استثنائية في حياة المسلم، إذ لا يقتصر الأمر على تسجيل الأحداث، بل يكشف أيضًا عن التجربة الداخلية للرحّالة وتأثّره بالمكان والحدث.

ولم يقتصر اهتمام كوبولد على الجانب الديني فحسب بل امتدّ إلى ملاحظة الجوانب الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالحج. فقد سجّلت ملاحظاتها حول عادات الحجاج وتقاليدهم، وطبيعة التفاعل بينهم رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية. كما وصفت بعض مظاهر الحياة في الحجاز، مثل الأسواق والأنشطة التجارية التي تنشط خلال موسم الحج، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية لهذه الشعيرة إلى جانب أهميتها الدينية.

كذلك تناولت وصف البيئة الطبيعية في الحجاز، مشيرة إلى طبيعة الصحراء والطرق التي يسلكها الحجاج للوصول إلى مكة والمدينة. ويُعدّ هذا الوصف من الجوانب المهمة في أدب الرحلات؛ لأنه يقدّم صورة عن الظروف الجغرافية التي كانت تحيط برحلة الحج في تلك الفترة.

ومن الجوانب اللافتة في رحلة كوبولد أنها كتبت تجربتها بنبرة احترام واضحة تجاه الإسلام وشعائره بخلاف بعض الرحلات الغربية التي اتّسمت أحيانًا بنظرة استشراقية نقدية. فقد عبّرت الكاتبة عن تقديرها العميق للمجتمع الإسلامي وللقيم الروحية التي يجسّدها الحج.

مسار الرحلة: من السويس إلى جدة

ومن الجدير بالذكر سرد طريق رحلتها إلى الحج: وصلت إيفلين في ٢٢ فبراير إلى السويس بمصر، ومنها اتجهت إلى مدينة بور فؤاد، حيث استقلّت الباخرة الإيطالية المسماة «ميسواه» (Messawah) المتجهة إلى مدينة جدة.

وبعد رحلة بحرية استغرقت نحو أربعة أيام عبر البحر الأحمر، وصلت أخيرًا إلى سواحل المملكة العربية السعودية. وقد وصفت منظر مدينة جدة عند اقتراب السفينة من الميناء بقولها إن المشهد كان لافتًا للنظر؛ إذ بدت المدينة من جهة البحر وكأنها لوحة تجمع بين اللونين الأبيض والبنيّ وتشبه حصنًا تحيط به الأسوار من ثلاث جهات، بينما ترتفع مآذنها عالية في الأفق.

وتضيف أيضًا بقولها إن البحر الأحمر يُعدّ من عجائب الزمان، إذ تمتاز مياهه بصفاء ولمعان فريدين لا يكادان يشبهان ما في غيره من البحار. غير أن هذا الميناء، على الرغم من جماله، كان محفوفًا بكثرة الصخور والتكوينات البحرية، الأمر الذي كان يفرض على ربّابنة السفن التي ترسو فيه قدرًا كبيرًا من الحذر، فلا يقتربون من المرفأ إلا بمقدار محسوب. وتشير الكاتبة إلى أن الزورق الذي أقلّهم من الباخرة إلى المرفأ اضطرّ إلى قطع مسافة تقارب الميل الواحد عبر البحر، وقد ازداد إعجابها بما شهدته من مهارة البحّار الذي كان يقود الزورق؛ إذ لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره، ومع ذلك أظهر براعة لافتة في توجيه الزورق بين الصخور المنتشرة.

الإقامة عند فيلبي والإذن الملكي

وعند وصولها إلى جدة أقامت لدى أسرة بريطاني مسلم هو هاري سانت جون فيلبي (Saint John Philby)، الذي كان معروفًا بقربه من الملك عبدالعزيز آل سعود، فضلًا عن شهرته كمستكشف ومغامر مولع بالصحراء العربية. وخلال إقامتها في المدينة الساحلية كانت تتابع باهتمام حركة قوافل الحجاج المتجهة إلى مكة المكرمة، إذ كانت تشاهدهم وهم يسيرون نحو الديار المقدّسة على متن السيارات أو على ظهور الجمال، وأحيانًا سيرًا على الأقدام.

بدأت في سنة ١٣٤٧هـ/١٩٢٩م تفكّر بالحج إلى المشاعر المقدّسة، ولكن كانت هناك قيود على دخول الأجانب للمشاعر المقدّسة؛ لأن بعض الأوروبيين دخلوا متنكّرين وكتبوا مغامراتهم، فقرّرت التواصل مع سفير مملكة الحجاز ونجد في لندن، وبعد تأسيس المملكة العربية السعودية أصبح السفير السعودي في بريطانيا الشيخ حافظ وهبة، لكن يبدو أنها في عجلة من أمرها فواصلت مع سانت جون فيلبي. ولم تمضِ فترة طويلة حتى جاءها خبرٌ أسعدها، وهو صدور إذنٍ ملكيٍّ يتيح لها دخول الأراضي المقدّسة لأداء فريضة الحج.

بدأت الاستعداد للانطلاق إلى مكة المكرمة، حيث سافرت ضمن قافلة صغيرة كانت تتكوّن من سيارة واحدة تضمّ السائق والطبّاخ، إضافة إلى رجل مسنّ من السودان رافق القافلة لمساعدتها والتخفيف من مشاقّ الطريق.

النساء في الحجاز في مذكراتها

لم تكن النساء متأخّرات في الثقافة والتعليم، بل كنّ حريصات على البحث العلمي كأزواجهن وإخوتهن؛ حصلن على شهادات في الطب والفقه، وشاركنا في مجد حضارة عريقة.

ختام الرحلة

تكفيني نظرة إلى دفتر مذكراتي، لأدرك أن كل هذا كان حقيقة مطلقة. لن يستطيع الزمان محو الذكريات التي حفرت في قلبي. ستظلّ بساتين المدينة وسكينة الجوامع وآلاف المصلّين الذين مروا عليّ وأعينهم تفيض من الدمع تبتلّ خشوعًا، حاضرة في ذهني. لن أنسى أبدًا عظمة وجلال المسجد الحرام في مكة، ولن أنسى رحلة الحج في الصحراء قاصدين جبل عرفات. ستحمل روحي للأبد متعة الرضا والسعادة التي غشيتها. لم تحمل لي الأيام السابقة إلا الخير والجمال والدهشة. لقد اكتشفت عالمًا جديدًا مذهلًا.