تُعدّ مكة المكرمة قلب العالم الإسلامي وموضع أنظار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لما تحمله من قداسة دينية ومكانة روحية عظيمة؛ ولذلك كان تاريخها السياسي دائمًا محط اهتمام القوى الحاكمة في المنطقة. وفي مطلع القرن العشرين شهدت هذه المدينة مرحلة تاريخية مهمة تمثلت في انتقالها إلى حكم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (رحمه الله) ضمن مسيرة توحيد البلاد التي قادها بحكمةٍ وحزم.

سياق سياسي متوتر بعد الحرب العالمية الأولى

كانت أوضاع الحجاز بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (١٩١٤–١٩١٨م) تتسم بعدم الاستقرار السياسي نتيجة التحولات التي شهدتها المنطقة، وفي ظل هذه الظروف برزت حالة من التوتر بين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود والشريف حسين بن علي، خاصة بعد أن أعلن الشريف حسين نفسه ملكًا على البلاد العربية؛ وهو إعلان لم يحظَ بقبول عدد من القوى والقيادات في المنطقة، ومن بينهم الملك عبدالعزيز الذي رأى أن الشريف حسين لا يملك الحق في التحدث باسم العرب جميعًا أو تمثيلهم.

ومع تصاعد التوتر بين الطرفين وقعت مواجهة عسكرية تمثلت في معركة تربة عام ١٣٣٨هـ/١٩١٩م، انتهت بهزيمة قوات الشريف حسين، وكان لهذه المعركة أثر كبير في تعميق الخلاف بين الجانبين. وأعقبها قرار من الشريف حسين بمنع السعوديين من دخول الحجاز لأداء فريضة الحج، الأمر الذي أدى إلى انقطاعهم عن الحج لمدة خمس سنوات.

الكويت والطائف: تعثّر الحلول وتقدّم الحملة

وفي محاولة لتسوية هذا الخلاف عُقد مؤتمر في الكويت عام ١٣٤١هـ/١٩٢٣م لمحاولة إيجاد حل يرضي الطرفين ويعيد الاستقرار إلى المنطقة، إلا أن المؤتمر لم ينجح في تحقيق تسوية بسبب إصرار الشريف حسين على أن يعيد الملك عبدالعزيز الأراضي التي كان قد بسط نفوذه عليها. ومع فشل هذا المؤتمر تضاءلت فرص الحلول السلمية، وأصبحت المواجهة العسكرية خيارًا مطروحًا.

وعلى إثر ذلك عقد الملك عبدالعزيز اجتماعًا في الرياض مع أعيان أهل نجد لتجهيز القوات والاستعداد للحملة العسكرية باتجاه الحجاز، وانطلقت القوات قاصدة مدينة الطائف؛ حيث وقعت المعركة عام ١٣٤٢هـ/١٩٢٤م بين القوات السعودية بقيادة سلطان بن بجاد العتيبي وخالد بن لؤي، وبين قوات الشريف حسين بقيادة ابنه علي بن الحسين، وقد انتهت المعركة بانتصار القوات السعودية التي تمكنت من السيطرة على الطائف في شهر صفر عام ١٣٤٣هـ الموافق سبتمبر ١٩٢٤م.

دخول مكة ثم جدة والمدينة

وقد ترتب على هذه التطورات السياسية والعسكرية أن تنازل الشريف حسين عن الحكم لابنه علي بن الحسين، وغادر مكة المكرمة متجهًا إلى جدة. وفي ظل هذه الظروف دخل الملك عبدالعزيز والقوات السعودية إلى مكة المكرمة مُحرمين معتمرين دون قتال في شهر ربيع الأول عام ١٣٤٣هـ/أكتوبر ١٩٢٤م، وقد نُقل عنه قوله: «إني مسافر إلى مكة، لا لتسلّط عليها، بل لرفع المظالم عنها… ولن يكون في مكة بعد الآن سلطان لغير الشرع».

وبعد عام من دخول مكة المكرمة، واصل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن تقدمه نحو جدة التي كانت تحت سيطرة الشريف علي بن الحسين، ففرض عليها حصارًا استمر قرابة عام كامل. وفي أثناء ذلك استسلمت المدينة المنورة ودخلت تحت حكم الملك عبدالعزيز، ثم انتهى الأمر باستسلام جدة، وعلى إثر ذلك وقّع علي بن الحسين وثيقة تسليم الحجاز للملك عبدالعزيز.

البلاغ العام: سياسة طمأنة وبناء مؤسسي

وفي هذه المرحلة وجّه الملك عبدالعزيز بلاغًا عامًا إلى أهل الحجاز سعى من خلاله إلى طمأنتهم وبث روح الأمان والسكينة في نفوسهم. وقد أوضح في هذا البلاغ سياسته التي ينوي اتباعها في إدارة البلاد، كما بيّن الأسباب التي دفعته إلى دخول الحجاز، وأعلن فيه عفوًا عامًا عن جميع القضايا السياسية، أما القضايا الجنائية فقد أحالها إلى القضاء الشرعي نظرًا لارتباطها بحقوق العباد. كما أكد في خطابه أن المرجع الأساس هو القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن بذل الجهد لتأمين الأماكن المقدسة وخدمة الحجاج هدفٌ أصيلٌ في إدارة البلاد.

صورة لصفحة أرشيفية تتضمن عنوان «بلاغ عام» ونصًا مطبوعًا
وثيقة «بلاغ عام» — نموذج من الخطاب السياسي الذي صاحب انتقال الحكم وبناء الاستقرار

نص البلاغ (مقتطف)

«من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، إلى إخواننا أهل الحجاز، سلمهم الله تعالى…

… وإخواني تفهمون أني بذلت جهدي، وما تحت يدي في تخليص الحجاز، لراحة أهله، وأمن الوافدين إليه…»

البيعة ومؤتمر مكة الإسلامي

وقد أثمر هذا البلاغ أثره المنشود، إذ ساد الأمن والاطمئنان بين أهالي الحجاز، وقوبلت هذه السياسة بالقبول والرضا. وفي أعقاب ذلك تمت البيعة للملك عبدالعزيز في مكة المكرمة في ٢٥ جمادى الآخرة عام ١٣٤٤هـ/٩ يناير ١٩٢٦م، وأصبح يحمل لقب «ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها»، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الحجاز اتسمت بالاستقرار السياسي ضمن مسيرة توحيد البلاد التي انتهت لاحقًا بقيام المملكة العربية السعودية.

وبعد دخول الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الحجاز، دعا ممثلي الدول الإسلامية إلى الاجتماع في مكة المكرمة لحضور أول مؤتمر إسلامي عُرف بـ«مؤتمر مكة الإسلامي» (١٣٤٤هـ/١٩٢٦م). وامتدت آثار هذه المرحلة لتشمل تنظيم شؤون الإدارة وتوحيد الأنظمة وترسيخ دعائم الحكم، بما أسهم في إرساء بنية دولة حديثة قائمة على الاستقرار والوحدة، كما انعكس هذا التحول على مختلف جوانب الحياة في الحجاز، فشهدت المنطقة تحسنًا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وازديادًا في انتظام شؤون الحج وخدمة الحرمين الشريفين.