الحمد لله الذي جعل القلوب تهوي إلى بيته العتيق، وجعل الحجّ معراجًا للأرواح ومغسلًا للذنوب والخطايا، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن فريضة الحج بالغة الأهمية والمكانة، لاسيما في وجدان مسلمي دول آسيا الوسطى، فهي الفريضة والركن الخامس من أركان الإسلام حيث أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ارتبطت جمهوريات آسيا الوسطى — وهي التي تتكون من خمس جمهوريات: أوزبكستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وكازاخستان — برباطٍ مقدّسٍ مع مكة المكرمة، جاء امتثالًا لنداء خليل الله إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
ورحلة الحج في تأريخ آسيا الوسطى لم تكن مجرد انتقال جغرافي والذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، بل قد تكون أشبه بملحمة البقاء والصمود، وقُسّمت على أربعة مراحل، وهي كالآتي:
المرحلة الأولى (١–١٣هـ / ٧–١٩م)
تمثل هذه المرحلة بدايات انتشار الإسلام في آسيا الوسطى، حين أصبحت المنطقة جزءًا مهمًا من العالم الإسلامي، وارتبط سكانها دينيًا وثقافيًا بالحرمين الشريفين، ومع دخول الإسلام إلى مدن كبرى مثل بخارى وسمرقند وغيرهما، كما كانت من أهم الحواضر والمراكز العلمية التي أسهمت في ازدهار الحركة العلمية الإسلامية، خرج منها كبار العلماء وكان لهم أثر بالغ في نشر العلوم وازدهار الحضارة الإسلامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
١ — محمد بن موسى الخوارزمي، توفي نحو ٢٣٢هـ/٨٤٧م، من كبار علماء الرياضيات والفلك، واضع أسس علم الجبر والخوارزميات، ويُنسب إليه إدخال الأرقام العربية والهندية إلى العالم الإسلامي والغرب.
٢ — أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، توفي ٣٣٩هـ/٩٥٠م، فيلسوف ومنطقي بارز، لُقّب بالمعلم الثاني بعد أرسطو، وأسهم في شرح الفلسفة اليونانية وصياغة نظرية المدينة الفاضلة.
٣ — أحمد بن محمد الفرغاني، توفي بعد ٢٤٧هـ/٨٦١م، عالم فلك من فرغانة، برز في علم الهيئة وحساب حركات الأجرام السماوية، وتُرجمت مؤلفاته إلى اللاتينية فأثّرت في علم الفلك الأوروبي في العصور الوسطى.
٤ — محمد بن إسماعيل البخاري، توفي ٢٥٦هـ/٨٧٠م، صاحب «الجامع الصحيح» المعروف بصحيح البخاري، الذي يُعد من أهم كتب الحديث النبوي.
٥ — محمد بن عيسى الترمذي، توفي ٢٧٩هـ/٨٩٢م، أحد كبار أئمة الحديث، وصاحب «الجامع» المعروف بسنن الترمذي.
٦ — أبو علي الحسين بن عبد الله ابن سينا، توفي عام ٤٢٨هـ/١٠٣٧م، فيلسوف وطبيب موسوعي، من أبرز أطباء الإسلام، وصاحب «القانون في الطب».
٧ — أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، توفي عام ٤٤٠هـ/١٠٤٨م، عالم في الفلك والجغرافيا والرياضيات والتاريخ، من أبرز علماء الحضارة الإسلامية.
المرحلة الثانية (القرن الثالث عشر — مطلع الرابع عشر هـ / التاسع عشر — مطلع العشرين م)
في هذه الفترة كانت الإمبراطورية الروسية هي المسيطرة على منطقة آسيا الوسطى، وأتسمت علاقة الإمبراطورية الروسية بحجاج منطقة آسيا الوسطى بنوع من الحذر والترقب؛ فلم تكن البدايات صدامية بشكل مباشر، بل نستطيع أن نصف العلاقة بأنها متذبذبة؛ ففي بعض الفترات سُمح بالحج مع فرض رقابة إدارية وتنظيم لطرق السفر، حيث اضطرت حكومة الإمبراطورية الروسية إلى اتخاذ تدابير لإبقاء الحجاج تحت سيطرتها، ونظمت رحلات الحج عبر مسارات محددة، كان هناك ثلاثة مسارات لهذه الرحلة: الشمال، والقوقاز، والجنوب، مستخدمة السفن والسكك الحديدية لنقل الحجاج، وتسيير سفن باتجاه روسيا — جدة — بومباي (مومباي)، بينما فُرضت قيود في فترات أخرى بسبب المخاوف السياسية من تأثير العلماء والحجاج في نشر الأفكار المناهضة للحكم الروسي، ومن الأمثلة على ذلك منع الحجاج من السفر بعد ثورة مدالي إيشان عام ١٣١٦هـ/١٨٩٨م، حيث مُنع المسلمون من أداء الحج لمدة عامين حتى ١٣١٨هـ/١٩٠٠م.
نشطت الصحافة المحلية مثل الصحف التي تصدر باللغات الأوروبية والمحلية: «تركستانسكي غولوس» أنديجان (Turkestanskiy Golos, Andijan)، «زاكاسبيسكوي أوبوزريني» عشق آباد (Zakaspian Observer, Ashgabat)، «كافكاز إي سريدنيايا آزيا» باكو (Kavkaz i Srednyaya Aziya, Baku)، «أوكرانيا» سمرقند (Oukraina, Samarkand)، «سريدنيازاتسكي فيستنيك» طشقند (Srednyazatsky Vestnik, Tashkent)، وفي مجلة «أفينا» سمرقند (Avina, Samarkand)، بدأت تُنشر على نطاق واسع أخبار الحجاج وذكرياتهم؛ على سبيل المثال، نشرت صحيفة «أوكرانيا» (Oukraina, Samarkand)، التي صدرت في مدينة سمرقند بين عامي ١٣٠٧–١٣١٥هـ/١٨٩٠م–١٨٩٨م، معلومات عن الحج على الطرق المحتلة للحجاج المسلمين من تركستان، لنقل أخبار الحجاج، مما عكس ارتباطًا ثقافيًا لم ينقطع رغم الرقابة الصارمة والتصاريح الرسمية.
المرحلة الثالثة (١٣٣٥هـ–١٤١١هـ / ١٩١٧م–١٩٩١م)
خضعت منطقة آسيا الوسطى في هذه المرحلة لسيطرة حكم الاتحاد السوفيتي حيث شكّلت الحقبة السوفيتية منعطفًا حادًا واتسمت هذه المرحلة بسياسات الإلحاد والعلمنة التي لم تستمر يومًا أو سنة أو سنتين، بل لقرابة ٧٠ عامًا!
أثرت هذه السياسة في الحياة الدينية بشكل كبير، حيث تراجعت الممارسات الدينية وفُرضت قيود صارمة على الفرائض والشعائر الإسلامية، حيث إنه لم يُسمح بالحج قانونيًا في عام ١٣٦٤هـ/١٩٤٥م، وبأعداد رمزية ومقيدة جدًا حتى مطلع القرن الخامس عشر الهجري الموافق أوائل التسعينيات الميلادية، نتج عن هذه العزلة ما يُعرف بـ«الإسلام الشعبي»، حيث حافظت الطرق الصوفية (كالنقشبندية والياساوية والقادرية) على الجوهر الإيماني في مواجهة العلمنة الشمولية، خاصة في كازاخستان التي شهدت تأثرًا أعمق بالإلحاد السوفيتي مقارنة بجيرانها الأوزبك، كما يُمكن اعتبار كازاخستان دولةً ذات مستوى ديني متدنٍ مقارنةً بدول آسيا الوسطى الأخرى.
وقد أشار الشيخ محمد صادق محمد يوسف في كتاب «يوميات آسيا الوسطى» إلى جانب من هذه المعاناة عندما تحدث عن استعداد المسلمين لأداء فريضة الحج بعد انقطاع طويل، من بعض جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي سابقًا، فقد ذكر أن الاستعدادات كانت تجري لإرسال عدد من الحجاج السوفييت إلى الأراضي المقدسة، بلغ عددهم نحو ٥٠٠ حاج، وقد تطلّب ذلك تعاونًا بين الجهات الحكومية والهيئات المعنية لتوفير التسهيلات اللازمة للحجاج، بما في ذلك تنظيم الرحلات الجوية إلى جدة وتنسيق الإجراءات الرسمية، وبرزت مظاهر التضامن بين المسلمين في سبيل أداء هذه الفريضة، إذ ذُكر أن مصنع نسيج محلي قام بتجهيز ملابس الإحرام للحجاج، في حين تبرّع بعض الأشخاص بالمساهمة في نفقات الحج رغم ارتفاع تكلفته التي قُدّرت آنذاك بنحو أحد عشر ألف روبل للحاج الواحد! ولم يقتصر الدعم على الجوانب المادية فقط، بل شمل أيضًا الجهود الدعوية والثقافية؛ فقد طُلب إرسال المصاحف إلى المسلمين هناك، غير أن إدخالها عبر الطائرات الروسية لم يكن مسموحًا، الأمر الذي دفع الحجاج القادمين من السعودية إلى حملها معهم وتوزيعها عند وصولهم.
المرحلة الرابعة (ما بعد ١٤١١هـ / ١٩٩١م)
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٤١٢هـ/١٩٩١م إلى استقلال دول آسيا الوسطى، حيث شهدت المنطقة «انتعاشًا إسلاميًا» واسعًا، ويظهر التحول الديموغرافي قوة هذا العودة، حيث ارتفع إجمالي سكان المنطقة من ١٧٫٥ مليون نسمة عام ١٣٦٩هـ/١٩٥٠م إلى ٦١٫٣ مليون نسمة عام ١٤٣١هـ/٢٠١٠م. وفي عام ١٤٤٥هـ/٢٠٢٤م بلغ عدد سكان أوزبكستان وحدها — أكبر دول المنطقة سكانًا — نحو ٣٦٫٧ مليون نسمة، كما أن دول المنطقة من أكثر الدول إرسالًا للحجاج إلى مكة المكرمة، ومن المتوقع أن يصل إجمالي سكانها إلى ٨٥٫٢ مليون نسمة بحلول عام ١٤٧٢هـ/٢٠٥٠م. وغالبًا ما تُعدّ فريضة الحج في الواقع الاجتماعي مظهرًا لمن يملكون دخلًا متاحًا، وهذا يرفع من مكانة الحاج في نظر عامة الناس.
شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا ونموًا متسارعًا في أعداد الحجاج القادمين من دول آسيا الوسطى، مما يعكس تحولًا جذريًا في القدرة المادية والسياسات التنظيمية في المنطقة، ففي جمهورية أوزبكستان على سبيل المثال ارتفع عدد الحجاج من ٧٬٣٥٠ حاجًا في عام ١٤٣٨هـ/٢٠١٧م، ليصل إلى ١٥٬١٥٠ حاجًا بحلول عام ١٤٤٤هـ/٢٠٢٣م، كما سجلت جمهورية تركمانستان طفرة مماثلة؛ فبعد أن اقتصر عدد حجاجها على ١٥٣ شخصًا فقط في عام ١٤٣٩هـ/٢٠١٨م، ارتفع العدد ليصل إلى ٢٬٣١٢ حاجًا، وبشكل عام تشير التقارير إلى أن أكثر من ١٢٠٬٠٠٠ شخص من دول آسيا الوسطى قد أدوا فريضة الحج خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما ينسجم مع النمو السكاني الكبير في المنطقة، حيث ارتفعت نسبة المسلمين من ٦٧٪ عام ١٣٦٩هـ/١٩٥٠م، إلى ٨٩٪ عام ١٤٣١هـ/٢٠١٠م.
وفي جمهورية أوزبكستان برزت طقوس احتفالية بعد أداء فريضة الحج أو العمرة مثل «هوجي توي» والتي تعني حفل الحاج، وهو احتفال قد يكون فخمًا أو صغيرًا، يُنظم للعائلة والأصدقاء لشخص يعود من الحج أو العمرة، وبالنسبة لمعنى «هوجي توي»، فهو مصطلح بلغة الأوزبك، حيث إن «هوجي» تعني «حاج»، و«توي» تعني «عرس» أو «احتفال كبير».
وتُعد جمهورية أوزبكستان اليوم الدولة الأكثر عددًا في الحجاج القادمين من آسيا الوسطى، ويرجع ذلك إلى كونها الدولة الأكثر سكانًا في المنطقة؛ إذ يبلغ عدد سكانها نحو ٣٦٫٧ مليون نسمة في عام ١٤٤٥هـ/٢٠٢٤م، إضافة إلى ارتفاع نسبة المسلمين فيها مقارنة ببقية دول المنطقة، ولذلك تمثل أوزبكستان محورًا مهمًا في المشهد الديني المعاصر في آسيا الوسطى، ولا سيما فيما يتعلق بتنظيم الحج وتعزيز الروابط الدينية مع العالم الإسلامي.
ختامًا
يتضح لنا من خلال استعراض محطات مهمة من تاريخ الحج في دول آسيا الوسطى، أن هذه الشعيرة لم تكن مجرد رحلة دينية فحسب، وإن ظاهرة «هوجي توي» الاحتفالية في أوزبكستان والمكانة الرفيعة التي يحظى بها الحاج، تعكس تغلغل القيم الدينية في النسيج الثقافي بعد عقود من العلمنة المفروضة. وإن الربط بين نداء الخليل إبراهيم عليه السلام وبين الواقع المعاصر لهذه الشعوب، يؤكد أن مكة المكرمة لا تزال تمثل القطب الروحي الذي تنجذب إليه أفئدة الملايين من سهوب كازاخستان إلى جبال طاجيكستان، مرورًا بمدن أوزبكستان التاريخية، وواحات تركمانستان، ومرتفعات قيرغيزستان في وحدة شعائرية تتخطى حواجز الجغرافيا والتاريخ.







