في النصف الأول من القرن العشرين، كانت سفن الحجاج القادمة من آسيا وإفريقيا ترسو تباعاً في ميناء جدة، حاملة معها آلاف القادمين إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج. وبينما كانت أفئدة الحجاج تتجه شوقاً إلى المسجد الحرام، كان هناك خط دفاع صحي يسبق رحلتهم الروحية؛ إجراءات وقائية تهدف إلى حماية الحجاج وسكان البلاد من الأمراض المعدية التي قد تنتقل عبر البحر. وفي جنوب المدينة نشأ موقع عُرف باسم الكرنتينة، ليؤدي دور المحجر الصحي الذي يستقبل القادمين ويفحصهم قبل السماح لهم بمتابعة رحلتهم إلى مكة المكرمة.
تكشف قصة محجر الكرنتينة عن جانب مهم من تاريخ إدارة الحج في المملكة العربية السعودية؛ إذ لم يقتصر الاهتمام على الجوانب الدينية والتنظيمية فحسب، بل امتد ليشمل الجوانب الصحية والوقائية التي تضمن سلامة الحجاج وسكان البلاد على حد سواء. فقد أدركت الدولة منذ وقت مبكر أن حماية الصحة العامة جزء أساسي من خدمة ضيوف الرحمن، خاصة في مدينة مثل جدة التي استقبلت أعداداً كبيرة من الحجاج من مختلف أنحاء العالم.
وتُعد الكرنتينة واحدة من المحطات المهمة في تاريخ تطور الخدمات الصحية في المملكة، إذ ارتبط اسمها ببدايات التنظيم الصحي الحديث لمكافحة الأوبئة والأمراض المعدية. ويعود اسم «الكرنتينة» إلى الكلمة الإنجليزية Quarantine التي تعني الحجر الصحي، وقد تعرّبت الكلمة في الاستخدام المحلي لتصبح اسماً للموقع الذي خُصص لعزل المرضى أو المشتبه بإصابتهم بالأمراض المعدية، حمايةً للمجتمع وضماناً لسلامة الحجاج.
بدايات الحجر الصحي في مدينة جدة
عرفت جدة فكرة الحجر الصحي منذ العهد العثماني في القرن التاسع عشر، حين أُنشئت مرافق صحية لمراقبة السفن القادمة إلى الميناء وفحص ركابها قبل السماح لهم بدخول المدينة.
وكان مكتب طبيب الصحة يتولى مهمة الكشف على الوافدين من البواخر والتأكد من خلوهم من الأمراض المعدية، إضافة إلى إصدار شهادات صحية تثبت سلامتهم عند القدوم والمغادرة.
وفي حال الاشتباه بوجود إصابات، كان الركاب يُنقلون إلى موقع الحجر الصحي في جزيرة أبو سعد الواقعة جنوب جدة، حيث يقضون فترة المراقبة الطبية قبل السماح لهم بدخول المدينة. وقد أسهم هذا النظام في الحد من انتشار الأوبئة التي كانت تنتقل عبر الرحلات البحرية في تلك الفترة.
وقبل ظهور الكرنتينة المعروف اليوم، وُجدت قلعة للحجر الصحي خارج أسوار جدة القديمة، أدت دوراً مهماً منذ القرن السابع عشر في حماية المدينة وسكانها من الأمراض الوافدة. ومع مرور الوقت أصبح اسم الكرنتينة متداولاً بين الأهالي للإشارة إلى المنطقة المرتبطة بالحجر الصحي.
نقلة نوعية في عهد الملك سعود – رحمه الله –
شهدت خدمات الحجر الصحي في جدة تطوراً ملحوظاً منتصف القرن العشرين، عندما أمر الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – بإنشاء محجر صحي حديث في حي الكرنتينة عام ١٣٧٥هـ (١٩٥٦م)، في إطار جهود الدولة لتطوير القطاع الصحي ومواكبة المعايير الدولية في مكافحة الأمراض الوبائية، خاصة مع تزايد أعداد الحجاج القادمين بحراً إلى الأراضي المقدسة.
توثيق تاريخي من صحيفة أم القرى
تؤكد المصادر الصحفية المعاصرة لهذه المرحلة أهمية هذا المشروع في تنظيم الجوانب الصحية للحج. فقد نشرت صحيفة أم القرى في عددها الصادر يوم الجمعة ٢٤ شعبان ١٣٧٥هـ الموافق ١٦ إبريل ١٩٥٦م خبراً يفيد بأن المملكة العربية السعودية أنشأت أكبر محجر صحي في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن خبراء منظمة الصحة العالمية أعربوا عن إعجابهم بفخامة الاستعداد وضخامة البناء المخصص لهذا الغرض.
كما أوضحت الصحيفة أن الحكومة السعودية حرصت على توفير أفضل الخدمات الصحية لضيوف الرحمن القادمين عبر البحر إلى جدة قبل انتقالهم إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج. ولهذا الغرض تقرر إنشاء محجر صحي متكامل تُجرى فيه الفحوص الطبية للحجاج وتُطبّق فيه إجراءات المراقبة الصحية وفق التقارير الطبية الدولية، بما يضمن سلامتهم ويحد من انتقال الأمراض المعدية.
حماية الحجاج والصحة العامة
كان الهدف الرئيس من إنشاء محجر الكرنتينة حماية الصحة العامة وضمان سلامة الحجاج قبل انتقالهم إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج والعمرة. فمع وصول السفن إلى ميناء جدة، كان الأطباء المختصون يقومون بفحص الركاب للتأكد من خلوهم من الأمراض المعدية مثل الكوليرا والملاريا وغيرها من الأوبئة المنتشرة آنذاك.
وعند الاشتباه بوجود إصابة، يُنقل المرضى أو المشتبه بهم إلى مرافق الحجر الصحي لتلقي الرعاية الطبية اللازمة حتى يتم التأكد من سلامتهم.
أما الركاب الذين يثبت خلوهم من الأمراض فكانوا يحصلون على شهادة صحية تسمح لهم بمتابعة رحلتهم إلى مكة المكرمة.
تطور الجهاز الصحي في المملكة العربية السعودية
جاء إنشاء محجر الكرنتينة ضمن منظومة أوسع من الجهود التي بذلتها الدولة لتطوير القطاع الصحي. فبحلول عام ١٣٧٥هـ بلغ عدد الأطباء العاملين في الجهاز الصحي في المملكة نحو ٢٦١ طبيباً، إضافة إلى ١٦ طبيباً بيطرياً وأكثر من ١٥٠٠ عامل صحي مساعد من الرجال والنساء.
كما خُصص عدد من العاملين لمكافحة الأمراض المتوطنة مثل الملاريا، حيث بلغ عددهم نحو ٦٤ موظفاً يعملون في برامج الوقاية والمكافحة.
دلالة تاريخية
تمثل تجربة الكرنتينة مثالاً مبكراً على وعي الدولة السعودية بأهمية التنظيم الصحي والوقاية من الأوبئة، خاصة في مدينة تستقبل أعداداً كبيرة من الحجاج القادمين من مختلف دول العالم. كما يعكس إنشاء هذا المحجر الصحي رؤية الدولة في تلك المرحلة لمواكبة التطور العالمي في مجال الطب الوقائي، مع الحرص على الجمع بين خدمة الشعائر الدينية ومتطلبات الصحة العامة.
وهكذا لم تكن الكرنتينة مجرد موقع للحجر الصحي، بل كانت شاهداً على مرحلة مبكرة من بناء منظومة صحية حديثة في المملكة العربية السعودية، جمعت بين خدمة الحجاج وحماية المجتمع، وأسست لخبرة طويلة في إدارة الصحة العامة في مواسم الحج.
ختاماً
لقد شكلت تجربة الكرنتينة في جدة نقطة فاصلة في تاريخ الصحة العامة بالمملكة العربية السعودية، حيث جمعت بين البعد الوقائي والتنظيم الدقيق لخدمة ضيوف الرحمن. لم تكن مجرد موقع للحجر الصحي، بل كانت نموذجاً متكاملاً لإدارة المخاطر الصحية المرتبطة بالحج، وأساساً لتأسيس خبرة طويلة في التخطيط الصحي لمواسم الحج السنوية.
تدل الكرنتينة على وعي الدولة المبكر بأهمية الصحة العامة كجزء لا يتجزأ من خدمة الحجاج، وتجسد رؤية المملكة في الجمع بين الحفاظ على الطقوس الدينية وتوفير بيئة آمنة وسليمة للزوار والمجتمع المحلي. إن هذه التجربة التاريخية تبرز دور المملكة الريادي في تطوير نظم وقائية متقدمة، وتمد جسور المعرفة والخبرة في مجال الصحة العامة لأجيال لاحقة، مؤكدة أن حماية الحجاج وحفظ سلامة المجتمع ليست مسؤولية مؤقتة، بل استراتيجية مستدامة تشكل جزءاً من الهوية الوطنية للمملكة العربية السعودية.









