في مطلع القرن العشرين، وفي أبريل من عام ١٩٠٤م، شهدت محافظة كاناغاوا ميلاد «تاكيشي سوزوكي»؛ تلك البقعة اليابانية التي تتجاوز فيها همسات الجبال مع أنفاس طوكيو المتسارعة، جاء تاكيشي آخرَ العنقود بين أربعة إخوة، في أسرة يابانية تقليدية حافظت على إرثها عبر أواخر عصر «ميجي» الذهبي، ووقفت على أعتاب التحوّل الذي يعيد تشكيل اليابان نحو الحياة العصرية. حيث كبر الفتى في بيت يفيض بالانضباط والجماليات اليابانية التقليدية، بينما كان إخوته يشقون طرقهم نحو دروب الفنّ والعمل الإداري في الدولة،
وحده تاكيشي بدا وكأنه يستمع إلى نداء لا يسمعه سواه، نداء عميق يدفعه إلى الأفق البعيد. كان «تاكيشي» يسير وفق إيقاعٍ مختلف، مدفوعاً بفضولٍ فطريٍّ وشغفٍ مبكّرٍ بالترحال والاستكشاف قاده إلى العمل في شركات تجارية كبرى في جزر إندونيسيا البعيدة، حيث وجد العالم الذي يشبه روحه القلقة الباحثة عن كل مثير وجديد.
لم يكن أهله في اليابان، الذين اعتقدوا لفترة أن ابنهم قد ضلّ طريقه المهني، يدركون أن هذا الشاب الطموح كان على موعدٍ مع تحوّلٍ روحيٍّ وتاريخيٍّ سيهزّ وجدانه تمامًا؛ تحوّلٍ بدأ من مدينة «تيدجين» الصينية في عام ١٩٣٣م، حيث تلاشت الحواجز الثقافية أمام نور الإسلام الذي هدى بصيرته، فأعلن إسلامه، وسمّى نفسه «محمد صالح». لم يكن إسلامه عن قناعة عقلية عابرة، بل اعتقاد نيّر صار منهج حياة، فأصبح شعلةً متّقدةً في صدره دفعته ليكون أول رحّالة يابانيّ يوثّق رحلة اليقين من «أرض الشمس المشرقة» إلى «مهبط الوحي»، متحدّيًا بذلك قيود الجغرافيا واختلاف اللغات وتحديات العصر، وليشدّ الرحال إلى الحجّ ثلاث مرات: بدأت أولاها عام ١٩٣٥م، ثم عاد بشوق أكبر في عام ١٩٣٧م، وليتوج مسيرته الروحية برحلته الثالثة الأخيرة في عام ١٩٣٨م (الموافق لعام ١٣٥٦هـ).
لماذا رحلة «سوزوكي»؟
ينبع اختياري لتسليط الضوء على رحلة «سوزوكي» في هذا المقال من إيماني العميق بأن رحلته تمثل النموذج الأسمى لعالمية الإسلام وقدرة المقدّسات على صهر الهُويات القومية؛ فهي ليست «مذكرات حاج» يسرد مناسكه، بل تُعدّ اليوم من أهمّ المصادر والمراجع للتاريخ الحديث لمنطقة الحجاز، وخاصةً في وصف العمران وأركان الحياة الاجتماعية وطبيعة الحياة اليومية في مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال تلك الحقبة المفصلية.
لقد قدّم «سوزوكي» «عينًا يابانيةً» فريدةً تجمع بين دقة الملاحظة التقنية الصارمة والرهبة الروحية الصامتة؛ وهو ما أعطى زاوية رؤية غير مسبوقة لأدب الرحلات الحجازية، فقد وثّق بالكلمة والصورة كيفية تحوُّل رحلة الحجّ من مغامرة محفوفة بالمخاطر والأهوال إلى مسيرة آمنة ومنظمة، وميسّرة بفضل قيم الحزم والعدل والنهضة التي أرساها الملك عبدالعزيز.
الرحلة الاستهلالية: عام ١٩٣٥م
في رحلته الاستهلالية عام ١٩٣٥م غادر «سوزوكي» موانئ اليابان في رحلة بحرية شاقّة استغرقت أسابيع طويلة، وصف خلالها لحظات الوداع، وكأنه ينسلخ من جلده القديم، ليستقبل روحًا جديدةً.
وحين بدأت تلوح في الأفق ملامح جدة (بوابة الحرمين) وقف «سوزوكي» لخلع ثيابه اليابانية التقليدية، وليرتدي ملابس الإحرام، واصفًا إياها بـ«ثوب المساواة المطلقة»، ففيها يتساوى الغني والفقير، ويختفي «التميّز العرقيّ»، ليذوب الجميع في وحدةٍ إنسانيةٍ كبرى تلهَج بلسانٍ واحدٍ: «لبيك اللهم لبيك». وعندما وطئت قدماه أرض مكة تحوّل «سوزوكي» إلى «مؤمن هائم»، واصفًا الكعبةَ المشرفةَ بأنها مركز الكون الذي يربط الأرض بالسماء، وتتآلف عنده الأرواح.
ولم تقتصِر مشاهداته على الروحانيات، بل سجّل بدقّة مذهلة تفاصيل الأسواق، وعادات الناس في المأكل والملبس، وطرق القوافل التي بدأت تشهد دخول السيارات لأول مرّة، لتجاوِر الإبل في مشهدٍ يجمع بين الأصالة والحداثة، وهو ما كان ثمرةً للاستقرار الذي وفّرته حكومة الملك عبدالعزيز.
الأمن والمياه والتنظيم
اهتمّ «سوزوكي» برصد التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية خصوصًا؛ فوصف ببراعةٍ كيف بسطت الدولة الأمنَ الشاملَ الذي جعل من الأسواق الحجازية بيئةً حيويةً يختلط فيها التجار من كلّ أصقاع الأرض، من دون خوف على نفسٍ أو مالٍ، وهو ما وصفه بأنه معجزة تنظيمية في قلب الصحراء.
كان يراقب بدقة نظام «الزمازمة» وتوزيع المياه المباركة، ونظام المطوّفين العريق، وكيف دُمِجت هذه التقاليد القديمة في منظومة إدارية حديثة تضمن سلامة الحجاج، وأُنجز كلّ ذلك برؤية طموحة أرسى دعائمها الملك عبدالعزيز.
عرفات ولقاء الملك
وفي مشعر عرفات، وسط تلك الحشود التي تجمّعت تحت شمس الحجاز، كان القدر يخبئ لـ«سوزوكي» حدثًا تاريخيًّا مميّزًا؛ فلقد كان الملك عبدالعزيز يحرص في كلّ عام على جعل الحجّ «المؤتمر الإسلامي السنوي الأكبر» ملتقًى يجتمع فيه بضيوفه من شتى أقطار العالم، ويسمع منهم، ليعزّز أواصر الوحدة الإسلامية، فقد كان يدرك قيمة التواصل مع مسلمي الشرق الأقصى، فاستُدعي الحاجّ اليابانيّ للقاء ملكيٍّ مهيب.
يصف «سوزوكي» وقوفه أمام الملك عبدالعزيز بإجلالٍ عظيم، فقد وجد فيه شخصيةً فريدةً جمع بين هيبة القائد وتواضع المؤمن.
رحلات متكرّرة وأثر يمتدّ إلى إندونيسيا
تكرّرت رحلات «سوزوكي» ثلاث مرات، وهذا ما منحه فرصةً نادرةً لمراقبة التطوّر المتسارع في مكة المكرمة؛ فقد رصد في كلّ مرّة تحسّنًا ملموسًا في المرافق العامة، وتراجعًا تامًّا لمظاهر الخوف، وأشاد بالنهضة التنظيمية التي جعلت من الحجّ تجربةً ميسّرةً.
ولم يقتصِر أثر هذه الرحلات على الجانب الشخصيّ لدى «سوزوكي»، بل صار بعد عودته إلى اليابان قياديًّا إسلاميًّا يدافع عن حقوق المسلمين في شرق آسيا، ويُذكَر له موقفه الشجاع في إندونيسيا عام ١٩٤٥م، حين أصرّ في أثناء وضع مسوّدة الدستور على أن يبدأ دستور استقلال إندونيسيا بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم»، مجادلًا العسكريين اليابانيين بأن هذا شأن دينيّ لا يقبل المساومة، مستمدًّا قوّته من تربيته الروحية التي تشكّلت في رحاب الحرمين الشريفين، ومن روحه القيادية التي استلهمها من لقاءاته بالملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود.
الحرمين وقيادة الملك عبدالعزيز
لقد كان «سوزوكي» يرى أن الحرمين الشريفين هما للملك عبدالعزيز بوصلة الحكم ومنتهى الغاية؛ فقد نذر الملك نفسه لخدمة أطهر البقاع؛ وهو ما جعل من رحلة «سوزوكي» وثيقةً تشيد بما تحقّق تحت قيادته (رحمه الله).
«ياباني في مكة» ومكتبة الملك عبدالعزيز
لم يكن لهذه المذكرات الثمينة والرحلة العظيمة أن تصل إلينا لولا العناية الكريمة والجهد المؤسسي اللذين تبذلهما مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، التي تولّت بأمانةٍ علميةٍ رصينةٍ ترجمةَ مذكرات «سوزوكي» من لغتها اليابانية، ونشرتها تحت عنوان «ياباني في مكة».
لقد أدركت المكتبة برؤيتها الثاقبة أن «سوزوكي» لم يكن محض حاجٍّ، بل كان «سفيرًا فوق العادة» نقل قيم الإسلام والعدالة والنهضة، التي رآها بعينيه تحت قيادة الملك عبدالعزيز، إلى ميادين الفكر والسياسة في اليابان وإندونيسيا.
ومن أهمية الكتاب المترجم أنه يضمّ أيضًا صورًا فوتوغرافيةً نادرةً التقطتها عدسة «سوزوكي» نفسه، تمنح القارئ رؤيةً بصريةً حيّةً تعكس الحياة الاجتماعية والعمرانية في الحجاز قبل نحو قرن من الزمان؛ وهو ما يجعل منه كنزًا وثائقيًّا يخدم أهداف منتدى العمرة والزيارة.
ختامًا
واليومَ، ونحن نستحضر ذكرى «محمد صالح سوزوكي»، نؤكّد أن رحلته هي إرثٌ إنسانيّ وإسلاميّ محفوظ بمرور الزمن، وهي قبَسٌ يذكّرنا بأن رسالة الحرمين الشريفين هي رسالة قيادةٍ وبناء إنسانٍ، تذوب معها المسافات، وتتوحّد خلفها القلوب مهما تباعدت الأوطان.
لقد أثبت «سوزوكي» بصبره وتوثيقه أن مكة المكرمة ستبقى دائمًا الملاذَ الآمنَ لكلّ القلوب المؤمنة، وأنها القِبلة التي تهوي إليها الأفئدة، تحت ظلّ القيادة التي جعلت من رعاية ضيوف الرحمن أسمى غاياتها، رعايةٍ بدأت واستمرت بفضل الله، ثم بفضل الحكمة والعدل اللذين أرساهما ورعاهما الملك عبدالعزيز وأبناؤه البررة من بعده.
ختامًا فإن رحلة «سوزوكي» الياباني إلى مكة هي قصة نجاح رجل واحد استطاع أن يكوّن جسرًا ثقافيًّا وروحيًّا بين الشرق الأقصى وقلب العالم الإسلامي، ليخلّد ذكره واحدًا من أهمّ الرحّالة الذين وثّقوا عظمة النهضة السعودية الحديثة، التي انطلقت بقيادة الملك عبدالعزيز، ولتبقى مذكراته منارةً للباحثين عن ملامح الحياة الاجتماعية والعمرانية في أطهر بقاع الأرض.








